Al-Jāmi‘ah: Journal of Islamic Studies - ISSN: 0126-012X (p); 2356-0912 (e) Vol. 55, no. 2 (2017), pp.463-492, doi: 10.14421/ajis.2017.552.463-492 THE RELATION BETWEEN ARABIC LINGUISTICS AND ISLAMIC LEGAL REASONING Islamic Legal Theory Perspective Syamsul Anwar Sunan Kalijaga State Islamic University (UIN) Yogyakarta, Indonesia email: syamsanw@yahoo.com Abstract In this article, the writer studies the relation between Arabic linguistics and the process of Islamic legal reasoning from an Islamic legal theory perspective. The question raised regards how Muslim jurists and legal theoreticians perceive the importance of Arabic linguistics as a part of the methodological tool in extracting Islamic legal norms from their sources, the connection of the two disciplines in theoretical level, and their mutual influences. The study shows that Muslim jurists and legal theoreticians agree unanimously that Arabic language mastering is an indispensable condition for a mujtahid to be valid. Further, Muslim jurists and legal theoreticians rely heavily in many cases on the grammatical rules set by the Arab grammarians and integrate these rules into the construction of their legal theory. Nevertheless, they do not merely transfer these rules as such into uṣūl al-fiqh but develop them to the extent to which the grammarians themselves do not attain. [Dalam artikel ini, penulis menelaah hubungan antara ilmu bahasa Arab dengan proses penetapan hukum Islam dari perspektif ilmu uṣūl al-fiqh. Pertanyaan yang dibahas berkisar pada bagaimana para fukaha dan teoretikus hukum memahami pentingnya bahasa Arab sebagai bagian dari metodologi dalam menetapkan norma-norma hukum Islam dari sumbernya, hubungan antara ilmu bahasa Arab dan ilmu uṣūl al-fiqh dalam tataran teoretis, serta pengaruh timbal balik antara dua disiplin ilmu tersebut. Studi Syamsul Anwar ini menunjukkan bahwa para fukaha dan teoretikus hukum sepakat bahwa penguasaan bahasa Arab merupakan syarat mutlak bagi seorang mujtahid agar ijtihadnya sahih. Lebih jauh, dalam banyak kasus, para fukaha dan teoretikus hukum sangat bergantung pada aturan-aturan gramatika yang ditetapkan oleh para ahli tata bahasa Arab dan mengintegrasikan aturanaturan ini ke dalam konstruksi teori hukum mereka. Namun demikian, mereka tidak hanya mengalihkan aturan-aturan ini ke dalam teori uṣūl al-fiqh tetapi mengembangkannya lebih jauh sesuai yang keperluan.] Keywords: Arabic language, Arabic linguistics, istinbāt, ijtihād, nahw, uṣūl al-fiqh ‫العلاقة بين العلوم العربية واستنباط الأحكام‬ ‫الشرعية في ضوء علم أصول الفقه‬ ‫شمس الأنوار‬ ‫جامعة سونن كاليجاكا الإسلامية الحكومية يوكياكرتا إندونيسيا‬ ‫ أالمقدمة‬. ‫ترتبط اللغة بالكائن البشري ارتباطا وطيدا بحيث لا يمكن تصور‬ ‫ ولا توجد أية جماعة إنسانية على وجه‬،‫وجود الواحد منهما دون وجود الآخر‬ ‫الأرض حتى ولو كانت من القبائل البدائية الساذجة بلا لغة يتواصل بها‬ ‫ فاللغة سمة‬1.‫أعضاؤها فيما بينهم و يعبرون بواسطتها عن حاجاتهم وأفكارهم‬ ‫ كما‬،‫أساسية من سمات الكائنات الإنسانية تميزها عن غيرها من المخلوقات‬ ،‫تشكل اللغة ظاهرة من أهم الظواهر الاجتماعية التي أنتجها التطور البشري‬ ‫عر ِف الإنسان بأنه حيوان رمزي بمعنى أن لديه القدرة على استقبال‬ ّ ‫ولذلك‬ Mario Andrew Pei, Usus ‘Ilm al-Lug‫ا‬ah, trans. Aḥmad Mukhtār ‘Umar (Cairo: ‘Ālam al-Kutub, 1998), p. 38-9. 1 464 Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H ‫‪The Relation between Arabic Linguistics and Islamic Legal Reasoning‬‬ ‫الرمز اللغوي وإنتاجه واستخدامه في التواصل فيما بينه وبين غيره من بني‬ ‫‪2‬‬ ‫جنسه‪.‬‬ ‫لقد عرف ابن جني (ت ‪ )1002/392‬اللغة في كتابه الخصائص‬ ‫بأنها «أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم»‪ 3.‬هذا التعر يف يدلنا على عدة‬ ‫خصائص أساسية للغة منها أنها أصوات و�لكن ليست كل الأصوات‪ ،‬بل‬ ‫هي أصوات تنظم في شكل معين لتنشئ كلمات وجملا تخلق معاني محددة في‬ ‫الذهن ويتفق القوم أو الجماعة اللغو ية التي تستخدمها على هذه المعاني‪ .‬ولذلك‬ ‫«تعرف اللغة أيضا بأنها مجموعة تقاليد صوتية ورثتها الجماعة اللغو ية عن أسلافها‬ ‫مع معانيها التي اتفق أبناؤها على قبولها واستخدامها حسب أصول استعمالية‬ ‫‪4‬‬ ‫معينة يتفاهمون بواسطتها فيما بينهم»‪.‬‬ ‫كما ذكر ابن جني في تعر يفه وظيفة أساسية للغة وهي أنها وسيلة‬ ‫للتعبير‪ .‬فاللغة الإنسانية تعتبر أداة وحيدة للتعبير عما يعتلج داخل بال الإنسان‬ ‫من عواطف وأحاسيس ورغبات وأفكار وخواطر‪ .‬ولذلك يعرفها بعض‬ ‫الباحثين بأنها التعبير عن الأفكار عن طر يق الأصوات الكلامية المضمومة‬ ‫في شكل كلمات والكلمات المضمومة في شكل جمل‪،‬‬ ‫‪Language is the expression of ideas by means of speech-sounds combined into words,‬‬ ‫‪[and] words ... combined into sentences.5‬‬ ‫وعلى الرغم من أن هناك وسائل أخرى تستخدم للتعبير عن الأفكار‬ ‫كالحركات وملامح الوجه وإشارات اليد غير أن اللغة الصوتية المتكلمة هي‬ ‫الأساس وتعتبر أهمها وأكثرها فاعلية وأوسعها انتشارا‪.‬‬ ‫‪Fatḥ ‘Alī Yūnus, “Al-Tawāṣul al-Lughawī wa’l-Ta‘līm,” http://academy.moe.‬‬ ‫‪gov. eg/pdf/arabic/arabicskills.pdf.‬‬ ‫‪3‬‬ ‫‪Abū al-Fatḥ ‘Uthmān ibn Jinnī, al-Khaṣā’iṣ, ed. by Aḥmad ‘Alī al-Najjār, vol. 1‬‬ ‫‪(Cairo: al-Hay’ah al-Miṣriyyah al-‘Āmmah li’l-Kitāb), p. 34l.‬‬ ‫‪4‬‬ ‫‪Ḥātim al-Ṭa’ī, “Nash’at al-Lughah wa Ahammiyyatuhā”, Dirāsāt Tarbawiyyah,‬‬ ‫‪vol. 6 (2009), pp. 195-220.‬‬ ‫‪5‬‬ ‫‪Henry Sweet, A New English Grammar Logical and Historical (Oxford: Oxford‬‬ ‫‪University Press, 1900), p. 6.‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪465‬‬ ‫‪Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H‬‬ ‫‪Syamsul Anwar‬‬ ‫ثم أشار ابن جني إلى صفة «الاجتماعية» للغة‪ ،‬وذلك لأنه يتم عن‬ ‫طر يقها عملية التواصل فيما بين أبناء القوم أصحاب اللغة‪ ،‬واللغة تقوم بدور‬ ‫هام في تنظيم الاتصال داخل بيئة لغو ية محددة فلكل قوم لغتهم التي يقيمون‬ ‫بواسطتها العلاقات الاجتماعية فيما بينهم‪ .‬ومن المعلوم أن الإنسان‪ ،‬كما‬ ‫يقول ابن خلدون‪ ،‬كائن اجتماعي بحيث تكون الحياة داخل سياق المجتمع‬ ‫أمرا ضرور يا له‪ ،‬ومعنى ذلك أنه لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن أخيه‬ ‫الإنسان لعدم قدرته على الوفاء بجميع حاجاته ومصالحه بمفرده ودون مساعدة‬ ‫الآخرين من حوله له‪ 6.‬وفي سياق الحياة داخل إطار المجتمع هذا تلعب‬ ‫اللغة دورا أساسيا بحيث تكو ّن تماسك هذه الحياة‪ .‬وفوق ذلك ولا يقل‬ ‫أهمية أن اللغة تبلور ال�خبرات البشر ية وت�ختزن تجارب الأمم وتدون التراث‬ ‫الثقافي والحضاري في صورة مفهومة وتمكن نقلها من جيل سابق إلى جيل‬ ‫لاحق ويستطيع أبناء المجتمع المنتمين إلى لغة مشتركة في الحفاظ على استقامة‬ ‫سلوكهم أو تعديله وإصلاحه على وفق القيم والتعاليم المحفوظة والتي تسجلها‬ ‫لغتهم‪.‬‬ ‫هذا بالنسبة إلى اللغة بوجه عام‪ .‬أما إذا نظرنا بشكل خاص إلى اللغة‬ ‫العربية فالأمر أجذب وأكثر إثارة للاهتمام‪ .‬اللغة العربية تتميز عن غيرها‬ ‫من اللغات بكونها ذات صلة وثيقة بالدين لا تم�لكها معظم اللغات الأخرى‬ ‫الحية الحالية‪ .‬هي لغة الدين الإسلامي الذي يبلغ عدد معتنقيه ربع سكان‬ ‫العالم و يعطيها قوة الاستمرار في الحفاظ على كيانها‪ .‬فما من لغة في هذا العصر‬ ‫أقدر من هذه اللغة على الاحتفاظ بخصائصها اللغو ية الأساسية من بنية نحو‬ ‫وشكل تصر يف رغم طروء التطورات وز يادة المفردات الجديدة عليها طبقا‬ ‫لمتطلبات تقدم الحياة الاجتماعية‪ .‬هذه العناصر في اللغة العربية لا تتغير‬ ‫بشكل أساسي على مدى أكثر من ألفيتين ونصف ألفية من الزمن‪ ،‬وفي‬ ‫‪‘Abd al-Raḥmān ibn Khaldūn, Muqaddimat Ibn Khaldūn, ed. by Khalīl Shaḥādah‬‬ ‫‪(Beirut: Dār al-Fikr, 2001), p. 54.‬‬ ‫‪6‬‬ ‫‪Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H‬‬ ‫‪466‬‬ ‫‪The Relation between Arabic Linguistics and Islamic Legal Reasoning‬‬ ‫الألف عام والخمس مئة عام الأخيرة كان ذلك بسبب الإسلام الذي يقرأ‬ ‫أتباعه صلواتهم اليومية بهذه اللغة‪.‬‬ ‫فللغة العربية علاقة وطيدة بتعاليم الدين الإسلامي لدرجة أن لا يمكن‬ ‫فصل الواحدة منهما عن الأخرى‪ .‬يعتبر المسلمون اللغة العربية أصلا للدين‬ ‫الإسلامي بحيث يكون أكثر مصادره مكتوبة بهذه اللغة خصوصا المصدران‬ ‫الأساسيان وهما القرأن ا�لكريم والسنة النبو ية الشر يفة‪ .‬وبالنسبة لاستنباط‬ ‫الأحكام الشرعية جعلها الفقهاء والأصوليون شرطا أساسيا لصحة عملية‬ ‫استخراج الأحكام من مصادرها ولتخريج المسائل الفقهية عليها‪ .‬للغة العربية‬ ‫أهمية قصوى في إمكانية التوصل إلى فهم صحيح لأحكام الشر يعة‪ .‬قال‬ ‫الشاطبي في هذا المضمار‪ « :‬إن الشر يعة عربية‪ ،‬وإذا كانت عربية فلا‬ ‫‪7‬‬ ‫يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم»‪.‬‬ ‫في هذه الدراسة يحاول الكاتب بيان وتأصيل العلاقة بين العلوم العربية‬ ‫ومناهج استنباط الأحكام الشرعية من منظور علم أصول الفقه‪ .‬الأمور التي‬ ‫تشكل إشكاليات هذه الدراسة تدور حول الأسئلة الآتية‬ ‫• •كيف يصور العلماء أهمية اللغة العربية في استخراج الأحكام الشرعية من‬ ‫مصادرها؟‬ ‫• •ما هي صُو َر العلاقة بين العلوم العربية وبين مناهج استنباط الأحكام‬ ‫الشرعية؟‬ ‫• •إلى أي مدى علاقة التأثير والتأثر بين العلوم العربية وعلم منهج استنباط‬ ‫الأحكام الشرعية؟‬ ‫‪.‬بتصوير العلماء لأهمية العربية في استنباط الأحكام الشرعية‬ ‫من المشهور أن علوم اللغة العربية‪ ،‬بمختلف فروعها‪ ،‬تعتبر علوم الآلة‬ ‫‪Abū Isḥāq ibn Mūsā al-Shāṭibī, al-Muwāfaqāt, ed. by Abī ‘Ubaidah Mashhūr‬‬ ‫‪ibn Ḥasan Āl Salmān, vol. 5 (‘Aqrabia, KSA: Dār Ibn ‘Affān li al-Nashr wa al-Tawzī‘,‬‬ ‫‪1997), p. 53.‬‬ ‫‪7‬‬ ‫‪467‬‬ ‫‪Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H‬‬ ‫‪Syamsul Anwar‬‬ ‫بالنسبة للعلوم الإسلامية الأخرى‪ ،‬وذلك لأنها تشكل أداة لهذه العلوم‬ ‫ووسيلة لعلمائها ودارسيها في القيام بمهماتهم في الدراسة والبحث فيها‪ .‬فما من‬ ‫فرع من فروع هذه العلوم الإسلامية إلا ولها صلة بعلوم اللسان العربي على‬ ‫اختلافها قوة وضعفا‪ .‬وبالنسبة لأصول الفقه‪ ،‬وهي تمثل منهجية استنباط‬ ‫الأحكام الشرعية‪ ،‬اتفق علماؤها على وجود الصلة الوثيقة بينها وبين علوم‬ ‫اللغة العربية وعلى الأهمية القصوى للثانية بالنسبة إلى الأولى‪ .‬إن القرآن الذي‬ ‫اختزن الشر يعة بين دفتيه عربي والسنة التي وظيفتها بيان عامه وتفصيل مجمله‬ ‫وتقييد مطلقه هي الأخرى بلسان عربي وهما المصدران اللذان تستخرج منهما‬ ‫أحكام الشر يعة‪ ،‬فلا يمكن لكل من يتصدى للاجتهاد واستثمار الأحكام‬ ‫الشرعية من نصوصهما أن يقوم بذلك بدون التزود بالمعرفة اللازمة والامتلاك‬ ‫الكافي لهذه اللغة‪.‬‬ ‫ورد أول تنبيه إلى أهمية اللغة العربية في الأمور الدينية الإسلامية‬ ‫ومنها مسائل أحكام الشر يعة في عدد من آيات القرآن نفسه كقوله تعالى (إنا‬ ‫جعلناه قرآنا ً عربيا ً لع�لكم تعقلون) [الزخرف‪ .]3 :‬بينت هذه الآية ا�لكريمة‬ ‫أن القرآن عربي وأن على المؤمنين به بذل جهده الفكري والعقلي لفهمه‪ .‬وبما‬ ‫أنه عربي فإن عملية فهمه وتفسيره واستنباط الأحكام منه لابد أن تقوم على‬ ‫امتلاك كاف لناصية اللغة العربية‪ .‬لقد دفعت هذه الآية علماءنا القدامى إلى‬ ‫التأكيد على هذه الأهمية في فهم القرآن بشكل خاص وفهم الدين الإسلامي‬ ‫بصورة عامة‪ .‬وقد نقل الإمام الزركشي (ت ‪ )1392/794‬قول الإمام‬ ‫مالك وهو يشير إلى أهمية العربية قائلا‪« :‬قال يحيى بن نضلة المديني سمعت‬ ‫مالك بن أنس يقول لا أوتى برجل يفسر كتاب ال� ل�ه غير عالم بلغة العرب‬ ‫إلا جعلته نكالا»‪ 8.‬كما ر َوي عن مجاهد (ت ‪ )721/102‬قولَه «لا يحل‬ ‫لأحد يؤمن بال� ل�ه واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب ال� ل�ه إذا لم يكن عالما بلغات‬ ‫‪Badr al-Dīn ibn Bahādur ibn ‘Abd Allāh al-Zarkashī, al-Burhān fī ‘Ulūm al-Qur’ān,‬‬ ‫‪ed. by Abū al-Faḍl al-Dimyāṭī (Cairo: Dār al-Ḥadīth, 2006), p.204.‬‬ ‫‪8‬‬ ‫‪Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H‬‬ ‫‪468‬‬ ‫‪The Relation between Arabic Linguistics and Islamic Legal Reasoning‬‬ ‫العرب»‪.‬‬ ‫ومن أوائل الفقهاء والأصوليين الذين ربطوا بين اللغة العربية والاجتهاد‬ ‫الفقهي واستنباط الأحكام الشرعية بل وجعلوها شرطا في المجتهد الإمام‬ ‫الشافعي (ت ‪ )820/204‬رحمه ال� ل�ه حيث بين هذا في كتابه الرسالة قائلا‪:‬‬ ‫«وإنما بدأت بما وصفتُ من أن الق ُرَآن نزل بلسان العرب دون غيره لأنه لا‬ ‫يعلم م ِن إيضاح جمل علم الكتاب أحد جه ِل سعة لسان العرب وكثرة وجوهه‬ ‫وجماعَ معانيه وتفرق َها‪ ،‬ومن عل ِمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جه ِل‬ ‫لسانها»‪ 10.‬وفي موضع آخر من هذا الكتاب جعل الشافعي معرفة العربية‬ ‫شرطا لصحة الاجتهاد الفقهي والاجتهاد عنده هو القياس‪ ،‬فقال‪« :‬ولا‬ ‫يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالما ً بما مضى قبله من السنن وأقاو يل‬ ‫‪11‬‬ ‫السلف وإجماع الناس واختلافهم ولسان العرب»‪.‬‬ ‫وفي القرن الخامس الهجري وجدنا ابن حزم الظاهري (ت‬ ‫‪ )1064/456‬يعيد التأكيد على أهمية اللغة العربية في الاجتهاد الفقهي‬ ‫وشارك الشافعي في جعل الإحاطة بمعرفة علوم اللغة وقواعدها لدرجة‬ ‫مضاحاة اللغوي أو النحوي نفسه في ذلك شرطا لجواز القيام بمهمة استنباط‬ ‫الأحكام الشرعية‪ .‬فلا يصح عند هذا المفكر الأندلسي أن يتصدى للاجتهاد‬ ‫واستنباط أحكام الشر يعة وأن يشتغل بمهمة الإفتاء من لا يجيد العربية ولا‬ ‫يلم بقواعدها إلماما يساوي فيها عالم اللغة والنحو‪« :‬لا بد للفقيه أن يكون نحو يا‬ ‫لغو يا‪ ،‬وإلا فهو ناقص‪ ،‬ولا يحل له أن يفتي لجهله بمعاني الأسماء»‪ 12.‬وفي‬ ‫موضع آخر قال‪« :‬ففرض [ال� ل�ه] على الفقيه أن يكون عالما بلسان العرب‬ ‫و يكون عالما بالنحو ‪ ...‬فمن جهل اللغة وجهل النحو فلم يعرف اللسان الذي‬ ‫‪9‬‬ ‫‪Ibid., p. 205.‬‬ ‫‪Muḥammad ibn Idrīs al-Shāfi‘ī, al-Risālah, ed. by Aḥmad Muḥammad Shākir‬‬ ‫‪(Beirut: Dār al-Kutub al-‘Ilmiyyah), p. 510.‬‬ ‫‪11‬‬ ‫‪Ibid.‬‬ ‫‪12‬‬ ‫‪Abū Muḥammad ‘Alī ibn Aḥmad ibn Sa‘īd Ibn Ḥazm, al-Iḥkām fī Uṣūl al-Aḥkām,‬‬ ‫‪ed. by Aḥmad Shākir, vol. 1 (Beirut: Dār al-Āfāq al-Jadīdah), p. 52.‬‬ ‫‪9‬‬ ‫‪10‬‬ ‫‪469‬‬ ‫‪Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H‬‬ ‫‪Syamsul Anwar‬‬ ‫به خاطبنا ال� ل�ه تعالى ونبينا صلى ال� ل�ه عليه وسلم ومن لم يعرف ذلك اللسان لم‬ ‫يحل له الفتيا فيه لأنه يفتي بما لا يدري»‪ .‬واستدل ابن حزم على قوله هذا‬ ‫‪13‬‬ ‫بعدد من آيات القرآن ا�لكريم‪.‬‬ ‫وأكثر من ذلك رأى ابن تيمية أن اللغة العربية جزء من الدين وتعلمها‬ ‫عبادة‪ ،‬و يجب على المسلم تعلمها �لكي يتمكن من فهم القرآن والسنة‪ ،‬ولا يمكنه‬ ‫فهم هذين المصدرين العربيين دون معرفة هذه اللغة‪ 14.‬و يجدر بنا أن نذكر‬ ‫أن الشعور بأهمية العربية لا يقتصر على الفقهاء والأصوليون فحسب‪ ،‬و�لكن‬ ‫علماء اللغة أنفسهم يم�لكون نفس الشعور كذلك‪ .‬وقد صرح الزمخشري (ت‬ ‫‪ )1144/538‬بما مفاده أنه ما من علم من العلوم الإسلامية فقهها وكلامها‬ ‫وعلمي تفسيرها وأخبارها إلا وافتقاره إلى العربية بين لا يدفع ومكشوف‬ ‫لا يتقنع‪ 15.‬وفيما يتعلق بأصول الفقه أكد ابن يعيش أهمية العربية قائلا‪:‬‬ ‫ل الفقه مرتبطة بمعرفة العربي ّة‪ ،‬لأن ّه يُبتنى على معرفة الكتاب‬ ‫« فكذلك أصو ُ‬ ‫والس ُنّة ِ‪ ،‬ولا يُعْر َف معناهما إلا بمعرفة العربي ّة‪ ،‬ولذلك كانت شرطًا في صح ّة‬ ‫‪16‬‬ ‫الاجتهاد»‪.‬‬ ‫هكذا تبين لنا مما سبق اتفاق العلماء فقهاء وأصوليين ولغو يين على أهمية‬ ‫العربية واشتراطها فيمن يشتغل بالعلوم الشرعية ويتصدى لوظيفة استنباط‬ ‫الأحكام التي تكون مصادرها الأساسية النصوص العربية‪ .‬إلا أنهم اختلفوا‬ ‫في القدر المشروط والواجب على المجتهد امتلاكه من علوم اللغة‪ .‬فذهب‬ ‫الإمام الغزالي (ت ‪ ،)1111/504‬الفقيه الفيلسوف المتصوف‪ ،‬إلى أن‬ ‫‪Ibid., 5: 126.‬‬ ‫‪Aḥmad ibn ‘Abd al-Ḥalīm ibn ‘Abd al-Salām Ibn Taymiyyah, Iqtiḍā’ al-Ṣirāṭ‬‬ ‫‪al-Mustaqīm, ed. by Nāṣir ibn ‘Abd al-Karīm, vol. 1 (Riyadh: Dār Ashbilia li al-Nashr‬‬ ‫‪wa al-Tawzī‘, 1994), p. 527.‬‬ ‫‪15‬‬ ‫‪Abū al-Qāsim Maḥmūd ibn ‘Umar al-Zamakhsharī, al-Mufaṣṣal fī ‘Ilm al‬‬‫‪‘Arabiyyah, ed. by Fakhr Ṣāliḥ Qadārah (Amman: Dār ‘Ammār li al-Nashr wa al-Tawzī‘,‬‬ ‫‪2004), p. 30.‬‬ ‫‪16‬‬ ‫‘‪Abū al-Baqā’ Ya‘īsh ibn ‘Alī ibn Ya‘īsh, Sharḥ al-Mufaṣṣal, ed. by Emile Badī‬‬ ‫‪Ya‘qūb, vol. 1 (Beirut: Dār al-Kutub al-‘Ilmiyyah, 2001), p. 56.‬‬ ‫‪13‬‬ ‫‪14‬‬ ‫‪Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H‬‬ ‫‪470‬‬ ‫‪The Relation between Arabic Linguistics and Islamic Legal Reasoning‬‬ ‫درجة معرفة اللغة العربية التي يجب على المجتهد بلوغها في العربية هي «القدر‬ ‫الذي يفهم به خطاب العرب وعادتهم في الاستعمال إلى حد يميز بين صريح‬ ‫الكلام وظاهره ومجمله وحقيقته ومجازه وعامه وخاصه ومحكمه ومتشابهه‬ ‫ومطلقه ومقيده ونصه وفحواه ولحنه ومفهومه»‪ 17.‬ومعنى ذلك كما بينه الشيخ‬ ‫محمد أبو زهرة أن المجتهد في الأحكام الشرعية حسب رأي الغزالي يجب أن‬ ‫يكون مجتهدا في اللغة العربية‪ 18.‬و�لكنه لم يشترط بلوغ درجة فحول أئمة اللغة‬ ‫كالخليل بن أحمد والمبرد‪ .‬قال في هذا‪« :‬والتخفيف فيه أنه لا يشترط أن‬ ‫يبلغ درجة الخليل والمبرد وأن يعرف جميع اللغة ويتعمق في النحو‪ ،‬بل القدر‬ ‫الذي يتعلق بالكتاب والسنة ويستولي به على مواقع الخطاب ودرك حقائق‬ ‫‪19‬‬ ‫المقاصد منه»‪.‬‬ ‫واتبع الإمام الشاطبي (ت ‪ ،)1388/790‬الفقيه والأصولي الما�لكي‬ ‫من غرناطة‪ ،‬الغزالي في اشتراط معرفة اللغة العربية في المجتهد الشرعي‪ ،‬وقرر‬ ‫أن العلم الذي تتوقف على امتلاك ناصيته إمكانية ُ بلوغ درجة الاجتهاد في‬ ‫الشر يعة وصحته فلا يستغنى عنه و يجب على المجتهد في الشر يعة معرفته لدرجة‬ ‫أن يكون مجتهدا فيه‪ ،‬هو علم اللغة العربية‪ .‬قال الشاطبي موضحا لرأيه هذا‬ ‫«فإن كان ثم علم لا يحصل الاجتهاد في الشر يعة إلا بالاجتهاد فيه فهو بلا‬ ‫بد مضطر إليه لأنه إذا فرض كذلك لم يمكن في العادة الوصول إلى درجة‬ ‫الاجتهاد دونه فلا بد من تحصيله على تمامه‪ ...‬والأقرب في العلوم إلى أن‬ ‫يكون هكذا علم اللغة العربية»‪ 20.‬وبيان ذلك عنده «أن الشر يعة عربية وإذا‬ ‫‪21‬‬ ‫كانت عربية فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم»‪.‬‬ ‫‪Abū Ḥāmid Muḥammad ibn Muḥammad ibn Muḥammad al-Ghazālī, al‬‬‫‪Muṣtaṣfā min ‘Ilm al-Uṣūl, ed. by Muḥammad ibn Sulaymān al-Ashqar, vol 2 (Beirut:‬‬ ‫‪Mu’assasat ar-Risālah, 1997), p. 386.‬‬ ‫‪18‬‬ ‫‪Muḥammad Abū Zahrah, Uṣūl al-Fiqh (Cairo: Dār al-Fikr al-‘Arabī), p. 280.‬‬ ‫‪19‬‬ ‫‪Al-Ghazālī, 2:386.‬‬ ‫‪20‬‬ ‫‪Al-Shāṭibī, al-Muwāfaqāt, 5: 52.‬‬ ‫‪21‬‬ ‫‪Ibid., 5:53.‬‬ ‫‪17‬‬ ‫‪471‬‬ ‫‪Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H‬‬ ‫‪Syamsul Anwar‬‬ ‫رأى الشاطبي أن قدر معرفة الدارس في الشر يعة الإسلامية بأسرار‬ ‫اللسان العربي ودقائق بيانه يمثل مستواه في استنباط الأحكام الشرعية من‬ ‫نصوصها بمعنى أن الذي ضعف فهمه للعربية ضعف فهمه للشر يعة ومن‬ ‫بلغ الغاية في العربية فكذلك درجته في فهم الشر يعة‪ .‬قال فيلسوف الشر يعة‬ ‫هذا‪« :‬فإذا فرض أنه مبتدئ في فهم العربية فهو مبتدئ في فهم الشر يعة‪،‬‬ ‫أو متوسط فهو متوسط في فهم الشر يعة والمتوسط لم يبلغ درجة النهاية‪ ،‬فإن‬ ‫انتهى إلى درجة الغاية في العربية كان كذلك في الشر يعة‪ ،‬فكان فهمه فيها‬ ‫حجة كما كان فهم الصحابة وغيرهم من الفصحاء الذين فهموا القرآن حجة‪،‬‬ ‫فمن لم يبلغ شأوهم فقد نقصه من فهم الشر يعة بمقدار التقصير عنهم‪ ،‬وكل‬ ‫من قصر فهمه لم ي َُع ّد حجة‪ ،‬ولا كان قوله فيها مقبولا‪ ،‬فلا بد أن يبلغ في‬ ‫العربية مبلغ الأئمة فيها كالخليل وسيبو يه والأخفش والجَر ْمي والمازني ومن‬ ‫سواهم»‪ 22.‬وختم هذا المفكر الأندلسي بيانه في هذه المسألة بأن قال ما مفاده‬ ‫أن المجتهد في الشر يعة لا بد أن يبلغ درجة الاجتهاد في اللغة العربية حتى‬ ‫يكون فهمه للكلام العربي «فهما غير متكلف ولا متوقف فيه في الغالب إلا‬ ‫‪23‬‬ ‫بمقدار توقف الفطن لكلام اللبيب» على حد تعبيره‪.‬‬ ‫مما تقدم رأينا أن الشاطبي ذهب في هذه المسألة إلى ما هو أبعد مما‬ ‫ذهب إليه الغزالي‪ .‬بينما لم يشترط الغزالي وجوب بلوغ المجتهد في الشر يعة من‬ ‫معرفة العربية درجةكبار الأئمة اللغو يين كالخليل وسيبو يه والمبرد في الاجتهاد‬ ‫في اللغة أكد الشاطبي على اشتراط ذلك‪ ،‬وهذا واضح من ظاهر كلامه مقارنا‬ ‫بظاهر كلام الغزالي‪ .‬إلا أن الشاطبي نفسه يصرح بأن فكرته هذه لا تخالف‬ ‫ما قاله الغزالي من عدم اشتراط بلوغ مستوى هؤلاء الأئمة اللغو يين‪ .‬ولذلك‬ ‫تأول كلام الغزالي على أنه (أي الغزالي) لا يقصد نفي شرط بلوغ درجتهم‪،‬‬ ‫وإنما مقصوده التذكير بعدم وجوب الإحاطة بجميع جوانب اللغة والتعمق‬ ‫‪Ibid.‬‬ ‫‪Ibid., 5: 57.‬‬ ‫‪Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H‬‬ ‫‪22‬‬ ‫‪23‬‬ ‫‪472‬‬ ‫‪The Relation between Arabic Linguistics and Islamic Legal Reasoning‬‬ ‫في كل دقائق أسرارها مما ليس في مقدور أحد مهما يكن من سعة علمه‬ ‫وعمق معرفته باللغة حتى أولئك الفحول اللغو يين أنفسهم‪ .‬فقال مبينا لمقصود‬ ‫الغزالي‪« :‬وهذا [رأي الغزالي] أيضا صحيح‪ ،‬فالذي نفي اللزوم فيه ليس هو‬ ‫المقصود في الاشتراط‪ ،‬وإنما المقصود تحرير الفهم حتى يضاهي العربي في‬ ‫ذلك المقدار‪ ،‬وليس من شرط العربي أن يعرف جميع اللغة ولا أن يستعمل‬ ‫الدقائق‪ ،‬فكذلك المجتهد في العربية‪ ،‬فكذلك المجتهد في الشر يعة»‪ 24.‬وأيد هذا‬ ‫العالم الغرناطي رأيه بما أشار إليه الشافعي في رسالته الأصولية بحيث قال ما‬ ‫مؤداه أن ال� ل�ه خاطب بكتابه العرب بلغتهم على اتساع معانيها وتنوع أساليب‬ ‫تعابيرها وتباين طرق دلالاتها من إطلاق العام ويراد به تارة العموم وتارة‬ ‫الخصوص‪ ،‬وتعبير عن المقصود تارة بالعبارة وأخرى بالإشارة‪ ،‬أو بالسياق‬ ‫أو بالمفهوم‪ ،‬وتسمية الشيء الواحد أحيانا بأسماء متعددة‪ ،‬أو الأشياء ا�لكثيرة‬ ‫بالاسم الواجد إلى آخر ذلك‪ .‬فهم هذا كله في كتاب ال� ل�ه الذي خاطب به‬ ‫المؤمنين يقتضي معرفة قصوى بالعربية وأسرارها‪ .‬هذا مختصر ما ذكره الشافعي‬ ‫في كتابه الرسالة‪ 25،‬واعتبره الشاطبي إشارة من هذا الإمام إلى ما يراه هو من‬ ‫اشتراط القدرة على الاجتهاد في اللغة لدى المجتهد الفقهي والوصول في ذلك‬ ‫‪26‬‬ ‫إلى مستوى أئمة اللغة‪.‬‬ ‫ومع ذلك فهذا الرأي ليس موضع الاتفاق عند الفقهاء والأصوليين‪.‬‬ ‫خلافا للشاطبي ذهب الجصاص (ت ‪ )981/370‬إلى أن قدر معرفة‬ ‫اللغة العربية المشروط في المجتهد في الشرع هو معرفة الألفاظ‪ .‬أما المعاني‬ ‫والدلالات فتدرك من طر يق العقل فيستوي فيه جميع أهل العلم ولا يختص‬ ‫بمعرفتها أهل اللغة‪ .‬هم وغيرهم في ذلك سواء‪ 27.‬هذا الرأي من الجصاص‬ ‫يمكن تفسيره بأنه كان ينتمي في الفقه والأصول إلى فقهاء المذهب الحنفي‬ ‫‪Ibid., 5: 55-6.‬‬ ‫‪Al-Shāfi‘ī, al-Risālah, pp. 51-3.‬‬ ‫‪26‬‬ ‫‪Al-Shāṭibī, al-Muwāfaqāt, 5: 56-7.‬‬ ‫‪27‬‬ ‫‪Aḥmad ibn ‘Alī al-Rāzī al-Jaṣṣāṣ, al-Fuṣūl fī al-Ūṣūl, ed. by ‘Ujail Jāsim al-Nashmī,‬‬ ‫‪vol. 1 (Kuwait: Ministry of Awqāf and Islamic Affairs, 1994), p. 307.‬‬ ‫‪24‬‬ ‫‪25‬‬ ‫‪473‬‬ ‫‪Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H‬‬ ‫‪Syamsul Anwar‬‬ ‫المعروفين بأنهم من أصحاب الرأي‪ .‬فلذلك كان فهم النصوص لديهم لا‬ ‫يعتمد فيه على اللغة أكثر من اعتماد العقل‪.‬‬ ‫‪ .‬جصور العلاقة بين العلوم العربية واستنباط الأحكام الشرعية‬ ‫يمكن أن نرجع العلاقة بين علوم اللغة العربية واستنباط الأحكام‬ ‫الشرعية إلى نوعين‪ ،‬هما العلاقة على المستوي النظري والعلاقة على مستوى‬ ‫التطبيق العملي‪.‬‬ ‫‪ 1 .‬العلاقة على المستوى النظري‬ ‫المراد بالعلاقة على المستوى النظري هو التقاء النظر يات المطورة في‬ ‫علوم اللغة العربية وعلم مناهج استنباط الأحكام وهو علم أصول الفقه‪ .‬وهذا‬ ‫يمكننا أن نراه في موضعين‪ ،‬هما أولا في المقدمات النظر ية التي تؤسس علم‬ ‫أصول الفقه ثم ثانيا في صرح بنية النظر يات الأصولية نفسها‪.‬‬ ‫إذا نظرنا إلى أمهات كتب الأصول‪ ،‬خصوصا الصادرة منها في عصر‬ ‫نضوجها في القرن الرابع الهجري وما بعده‪ ،‬فإنه من الميسور علينا أن نرى‬ ‫أن من عادات مؤلفيها تمهيد كتبهم بالمباحث الكلامية واللغو ية قصيرا أو‬ ‫مفصلا‪ .‬فكأن هذه المباحث تكون بمثابة أسس إيبستيمولية كلامية ولغو ية‬ ‫لعلم أصول الفقه‪ .‬وفيما يتعلق بالمباحث اللغو ية تكلم هؤلاء الك َُت ّاب حول‬ ‫اللغة من حيث معناها وحقيقتها وأصل نشأتها وأقسامها وعلاقة الألفاظ‬ ‫بمسمياتها وما إلى ذلك مما هو في وسع كل دارس الوقوف عليه في المؤلفات‬ ‫الأصولية‪ .‬وإذا أخذنا كتاب التقريب والإرشاد (الصغير) للإمام الباقلاني‬ ‫الما�لكي (ت ‪ )1013/403‬مثلا وجدنا مؤلفه يبحث بتفصيل في اللغة‬ ‫‪Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H‬‬ ‫‪474‬‬ ‫‪The Relation between Arabic Linguistics and Islamic Legal Reasoning‬‬ ‫خصوصا فيما يتعلق بأصل نشأتها وأطال بيان خلاف العلماء فيه بين قائل‬ ‫‪28‬‬ ‫بالتوقيف وقائل بالمواطأة وقائل بنظر ية الجمع‪.‬‬ ‫أنكر البعض صنيع كثير من الأصوليين الذين توسعوا في إدخال مثل‬ ‫هذه الأبحاث ضمن مباحث علم أصول الفقه‪ ،‬لأنها ليس لها صلة مباشرة‬ ‫بقواعد استنباط الأحكام الشرعية ولا ينبني عليها فقه‪ ،‬فلذلك لا تمس‬ ‫الحاجة إليها في الأصوليات والفقهيات‪ .‬وممن أنكر إدخال هذه المباحث‬ ‫اللغو ية في أصول الفقه الإمام الشاطبي (ت ‪ )1388/790‬الذي أخذ‬ ‫بمبدأ يقضي بأن «كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع‬ ‫فقهية أو آداب شرعية أو لا تكون عونا في ذلك فوضعها في أصول الفقه‬ ‫عار ية»‪ 29.‬وعلى هذا أخرج الشاطبي من أصول الفقه كثيرا من المباحث‬ ‫النظر ية المحضة كبحث مبادئ اللغات المتعلقة بمسألة ابتداء الوضع (أصل‬ ‫‪30‬‬ ‫نشأة اللغة) مثلا‪.‬‬ ‫بالعكس من الشاطبي فإن المازري (ت ‪ )1142/536‬استساغ‬ ‫إدخال بحث «مبادئ اللغات» في علم أصول الفقه رغم عدم الصلة المباشرة‬ ‫له بقواعد استنباط الأحكام الشرعية‪ ،‬وبرر رأيه بأن هذا البحث يعتبر تكميلا‬ ‫لعلم أصول الفقه وذلك لأن هذا العلم يستفيد من بعض قواعد اللغة العربية‬ ‫كدلالة الصيغ المتعلقة بألفاظ العموم والخصوص والأمر والنهي وما إلى‬ ‫ذلك‪ ،‬ولهذه القواعد اللغو ية قوانين عامة يبحثها اللغو يون في مبادئ اللغات‪،‬‬ ‫فيحسن لذلك البحث فيها في علم أصول الفقه‪ .‬قال المازري في هذه المسألة‪:‬‬ ‫«فالعذر في إيراد الأصوليين له مع كونه لا ثمرة لهم في علمهم أن أصول الفقه‬ ‫معظمها يستند إلى النظر في دلالة الصيغ كالعموم والخصوص وأحكام الأمر‬ ‫والنهي ودليل الخطاب ومفهومه وإلى النظر في إشارات معانيها‪ ،‬وهو مبدأ‬ ‫‪Al-Qāḍī Abū Bakr Muḥammad ibn al-Ṭayyib al-Bāqillānī, al-Taqrīb wa al-Irshād‬‬ ‫‪(al-Ṣaghīr), ed. by ‘Abd al-Ḥamīd Ibn ‘Alī Abū Zanīd, vol. 1 (Beirut: Mu’assasat al-Risālah,‬‬ ‫‪1998), pp. 319-27.‬‬ ‫‪29‬‬ ‫‪Al-Shāṭibī, al-Muwāfaqāt, 1: 37.‬‬ ‫‪30‬‬ ‫‪Ibid., 1: 38.‬‬ ‫‪28‬‬ ‫‪475‬‬ ‫‪Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H‬‬ ‫‪Syamsul Anwar‬‬ ‫القياس‪ ،‬والنظار في الفقه لا يكمل نظره دون أن يكون عارفا بجزء من أجزاء‬ ‫اللغة‪ ،‬وهو قوانين كلية‪ ،‬تعقد في أحكام بعض الألفاظ التي يكثر دورانها في‬ ‫الكتاب والسنة‪ .‬فحسن عندهم لما كانت أصول الفقه متعلقة بالإحاطة بفن‬ ‫‪31‬‬ ‫من اللغة أن يذكروا مبدأ ذلك الفن»‪.‬‬ ‫مما سبق يمكن أن نقول إن التقاء نظر يات علم اللغة والبحث الأصولي‬ ‫في كتابات الأصوليين لا تمس صلب بنية علم أصول الفقه وإنما يقع في عناصر‬ ‫تتعلق بعلم الأصول و�لكن لا تمثل جوهره‪ .‬إلا أن هناك جهات يرتبط‬ ‫من خلالها علم اللغة العربية وعلم أصول الفقه على المستوى النظري ارتباطا‬ ‫بنيو يا‪ .‬قسم الأصوليون مباحث علم أصول الفقه إلى أربعة أقسام وهي‬ ‫الأحكام الشرعية وأدلتهاها (أي مصادرها) وطرق استخراجها من هذه‬ ‫المصادر والمختصون بالقيام بهذه العملية‪ ،‬وطوروا نظر يات خاصة بكل من‬ ‫هذه الأقسام‪ ،‬فهناك نظر يات تتعلق بالأحكام الشرعية وأخرى تبين أدلتها أو‬ ‫مصادرها كما وجدت هناك نظر يات تؤسس طرق استنباطها من مصادرها‬ ‫ونظر يات حول المجتهدين ووظيفتهم في القيام بالاجتهاد‪ .‬وفيما يتعلق بالأدلة‬ ‫ذكر علماء الأصول عدة أدلة‪ ،‬منها ما هو متفق عليه بين معظم المسلمين وجملة‬ ‫أخرى مختلف فيها‪ .‬فالأدلة المتفق عليها عند الجمهور تشمل النصوص (القرآن‬ ‫والسنة) والإجماع والقياس‪ .‬والمختلف فيها منها الاستصلاح والاستحسان‬ ‫والاستتصحاب والعرف وغير ذلك كما ذكرها الأصوليون في كتبهم وأفاضوا‬ ‫في البحث فيها مما تنشأ منه نظر يات مختلفة‪.‬‬ ‫ومما يلفت النظر أننا نلاحظ وجود أمثال هذه البحوث أيضا عند‬ ‫النحاة‪ ،‬بل فوق ذلك يوجد التداخل في طرق البحث ووحدة المصطلحات‬ ‫المستخدمة في كتب الأصول والنحو حتى في اسم كل منهما (أصول النحو‬ ‫وأصول الفقه) وفي تعر يفه بحيث عرف السيوطي (ت ‪)1505/911‬‬ ‫‪Abū ‘Abd Allāh Muḥammad ibn ‘Alī ibn ‘Umar ibn Muḥammad al-Tamīmī‬‬ ‫‪al-Māzirī, Īḍāḥ al-Maḥṣūl min Burhān al-Uṣūl, ed. by ‘Ammār al-Ṭālibī (Beirut: Dār al‬‬‫‪Gharb al-Islāmī ), p. 147.‬‬ ‫‪31‬‬ ‫‪Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H‬‬ ‫‪476‬‬ ‫‪The Relation between Arabic Linguistics and Islamic Legal Reasoning‬‬ ‫أصول النحو بأنها «علم يبحث فيه عن أدلة النحو الإجمالية من حيث هي‬ ‫أدلته وكيفية الاستدلال بها وحال المستدل»‪ 32.‬بينما عرف الزركشي (ت‬ ‫‪ )1392/793‬أصول الفقه بأنها «مجموع طرق الفقه من حيث إنها على‬ ‫سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال وحالة المستدل بها»‪ 33.‬وعرفها البعض‬ ‫بأنها دلائل الفقه الإجمالية»‪ 34.‬فأخذ السيوطي الآتي بعد هذين العالمين‬ ‫الشافعيين عناصر تعر يف أصول الفقه وصاغ بها تعر يف أصول النحو‪.‬‬ ‫وفيما يتعلق ببحث الحكم النحوي وجدنا السيوطي يقسمه إلى واجب‬ ‫وممنوع وحسن وقبيح وخلاف الأولى وجائز على السواء‪ .‬فالواجب كرفع‬ ‫الفاعل وتأخره عن الفعل ونصب المفعول وجر المضاف إليه وتنكير الحال‬ ‫والتمييز وغير ذلك‪ .‬والممنوع كأضداد ذلك‪ 35.‬وهذا يشبه ما فعله علماء أصول‬ ‫الفقه في تقسيم الأحكام الشرعية إلى مثل هذا التقسيم‪ .‬وفيما يتعلق بأدلة‬ ‫النحو بيَ ّن السيوطي أنها أربعة وهي مأخوذة من مجموع قولي ابن جني (ت‬ ‫‪ )1002/392‬وابن الأنباري (ت ‪ .)1181/577‬ذكر ابن جني أنها‬ ‫ثلاثة وهي السماع والإجماع والقياس‪ ،‬وذكر ابن الأنباري أنها ثلاثة أيضا‬ ‫هي النقل والقياس واستصحاب الحال‪ .‬لم يذكر ابن الأنباري الإجماع لأنه لم‬ ‫يتمسك به وذكر بدلا منه الاستصحاب الذي لم يذكره ابن جني‪ .‬فتحصل من‬ ‫المجموع أربعة أدلة هي النقل (القرآن والسنة والكلام العربي الفصيح من‬ ‫غيرهما) والإجماع والقياس واستصحاب الحال‪ 36.‬وتكلم السيوطي أيضا في‬ ‫كتاب الاقتراح على الأدلة الأخري كالاستحسان والاستقراء وغيرهما‪ .‬رأينا‬ ‫‪Jalāl al-Dīn al-Sayūṭī, al-Iqtirāḥ fī Uṣūl al-Naḥw, ed. by ‘Abd al-Ḥakīm ‘Aṭiyyah‬‬ ‫‪(Damascus: Dār al-Bairūtī, 2006), p. 21.‬‬ ‫‪33‬‬ ‫‪Badr al-Dīn ibn Bahādur ibn ‘Abd Allāh al-Zarkashī, al-Baḥr al-Muḥīṭ fī Uṣūl‬‬ ‫‪al-Fiqh, ed. by ‘Abd al-Qādir ‘Abd Allāh al-‘Ānī, vol. 1 (Kuwait: Ministry of Awqāf and‬‬ ‫‪Islamic Affairs, 19920, p. 23; Abū al-Ḥusain al-Baṣrī, al-Mu‘tamad fī Uṣūl al-Fiqh, ed. by‬‬ ‫‪Khalīl al-Mays, vol. 1 (Beirut: Dār al-Kutub al-‘Ilmiyyah, 1983), p. 5.‬‬ ‫‪34‬‬ ‫‪Tāj al-Dīn ‘Abd al-Wahhāb ibn al-Subkī, Jam‘ al-Jawāmi‘ fī Uṣūl al-Fiqh, ed. by‬‬ ‫‪‘abd al-Mun‘im Khalīl Ibrāhīm (Beirut: dār al-Kutub al-‘Ilmiyyah, 2003), p. 13.‬‬ ‫‪35‬‬ ‫‪Al-Sayūṭī, al-Iqtirāḥ, p. 30.‬‬ ‫‪36‬‬ ‫‪Ibid., pp. 12-22.‬‬ ‫‪32‬‬ ‫‪477‬‬ ‫‪Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H‬‬ ‫‪Syamsul Anwar‬‬ ‫بوضوح أن نظر ية الأدلة عند النحاة هي نفسها عند الأصوليين من حيث‬ ‫حجيتها وبنيتها وطرق البحث فيها‪ ،‬وإنما الفرق في مجال التطبيق بحيث تطبق‬ ‫أدلة النحو في علم أصول النحو وأدلة الفقه في علم أصول الفقه‪ .‬ختم السيوطي‬ ‫بحوثه في كتاب الاقتراح في أصول النحو بما درج عليه عادة ك ُتّاب أصول‬ ‫الفقه من الكلام في مسألة التعارض والترجيح ومسألة أحوال وشروط‬ ‫المجتهدين‪.‬‬ ‫ما قدمناه فيما سبق يرينا وثوق الصلة وعمق التداخل بين علمي أصول‬ ‫النحو وأصول الفقه داخل مبانيهما البنيو ية على مستوى النظر ية‪ .‬إذا نطرنا‬ ‫إلى هذه العلاقة بين العلمين من ناحية التأثير والتأثر فإن غير واحد من‬ ‫الدارسين يرون أن النحاةكانوا يمثلون جانب المتأثرين بالمباحث الأصولية التي‬ ‫أفاض الأصوليون في دراستها‪ .‬نحا علماء النحو في دراساتهم النحو ية منحى‬ ‫الأصوليين في تشييد بنيان علم أصول النحو‪ ،‬ومن آيات ذلك ما ذكره ابن‬ ‫جني في الخصائص أن أصحابه أخذوا العلل من كتب محمد بن الحسن (ت‬ ‫‪ ،)805/189‬أحد أصحاب أبي حنيفة‪ ،‬حيث يجدونها منثورة في مواضع‬ ‫مختلفة من بحثه فيجمعونها بالملاطفة والرفق‪ 37.‬ومنها أن ابن الأنباري ألف‬ ‫كتاب لمع الأدلة وهو كتاب في أصول النحو على غرار كتب أصول الفقه‬ ‫ووضع عناوين أبوابه مشابهة لعناوين أبواب كتب أصول الفقه‪ .‬وقال في‬ ‫بداية الكتاب وهو يعرف أصول النحو‪« :‬أصول النحو أدلة النحو التي تفرعت‬ ‫منها فروعه وفصوله كما أن أصول الفقه أدلة الفقه التي تنوعت عنها جملته‬ ‫وتفصيله»‪ 38.‬هذا يدل على تأثير أصول الفقه على أصول النحو‪ .‬وكذلك ألف‬ ‫كتاب الإنصاف في مسائل الخلاف بين البصر يين وا�لكوفيين‪ ،‬وهو كتاب‬ ‫في أصول النحو‪ ،‬على ترتيب المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة‪ .‬قال‬ ‫‪Ibn Jinnī, al-Khaṣā’iṣ, 1: 163.‬‬ ‫‪Abū al-Barakāt ‘Abd al-Raḥmān Kamāl al-Dīn ibn al-Anbārī, Luma‘ al-Adillah‬‬ ‫‪fī Uṣūl al-Naḥw, ed. by Sa‘īd al-Afghānī, printed in al-Ighrāb fī Jadal al-I‘rāb, by the same‬‬ ‫‪author (Maṭba‘at al-Jāmi‘ah al-Sūriyyah, 1957), p. 80.‬‬ ‫‪37‬‬ ‫‪38‬‬ ‫‪Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H‬‬ ‫‪478‬‬ ‫‪The Relation between Arabic Linguistics and Islamic Legal Reasoning‬‬ ‫في مقدمته‪« :‬فإن جماعة من الفقهاء المتأدّبين والأدباء المتفقّهين المشتغلين‬ ‫عليّ بعلم العربية بالمدرسة الن ِّظامية‪ ،‬ع َم َر َ ال� ل�ه مبانيها ورحم ال� ل�ه بانيها‪ ،‬سألوني‬ ‫أن ألخص لهم كتابا لطيفا‪ ،‬يشتمل على مشاهير المسائل الخلافية بين نحويي‬ ‫البصرة وا�لكوفة‪ ،‬على ترتيب المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة‬ ‫ليكون أول كتاب صُن ّف في علم العربية على هذا الترتيب و ُأل ِّف على هذا‬ ‫الأسلوب لأنه ترتيب لم يصنف عليه أحد من السلف ولا ألف عليه أحد‬ ‫‪39‬‬ ‫من الخلف»‪.‬‬ ‫وقصارى القول كما قال أحمد سليمان ياقوت‪« :‬أن المؤلفات النحو ية‬ ‫التي اهتمت بالتفر يع وقياس الفرع على الأصل والأشباه والنظائر وبيان‬ ‫العلل ‪ ...‬كلها كتبها أصحابها بعد زمن الأئمة الأربعة‪ ...‬الذين وضعوا علم‬ ‫أصول الفقه وأرسوا قواعده وهذا يظهر لنا بجلاء أن علم أصول الفقه سبق‬ ‫‪40‬‬ ‫النحو وأصوله ومن ثم كان الأول هو المؤثر في الثاني وليس العكس»‪.‬‬ ‫‪ 2 .‬العلاقة على مستوى التطبيق‬ ‫علم أصول الفقه ليس مجرد علم نظري بحت يهدف إلى التلذذ العقلي‬ ‫فحسب‪ ،‬وإنما هو علم تطبيقي بمعنى أن أهم غاياته الوفاء بالحاجة الواقعية‪،‬‬ ‫فهو يبني منظومة منهجية لاكتشاف الأحكام الشرعية العملية و يكون بمثابة‬ ‫دليل يستهدي به المجتهد في استخراج قواعد ومعايير السلوك العملي لأعضاء‬ ‫المجتمع‪ .‬قسم الأصوليون المحدثون طرق اكتشاف الأحكام الشرعية إلى ثلاثة‬ ‫أقسام‪ :‬أولاها الطر يقة اللغو ية ووثانيتها الطر يقة التعليلية‪ ،‬وهذه بدورها ينقسم‬ ‫إلى التعليل بالعلة (الفاعلة) والتعليل بمقاصد الشر يعة (العلة الغائية)‪ ،‬وثالثتها‬ ‫‪Abū al-Barakāt ‘Abd al-Raḥmān Kamāl al-Dīn ibn al-Anbārī, al-Inṣāf fī Maṣa’il‬‬ ‫‪al-Khilāf baina al-Baṣariyyīn wa al-Kūfiyyīn, ed. by Jawdat Mabrūk Muḥammad Mabrūk‬‬ ‫‪(Cairo: Maktabat al-Khanjī), p. 3.‬‬ ‫‪40‬‬ ‫‪Aḥmad Sulaymān Yāqūt, Ẓāhirat al-I‘rāb fī an-Naḥw al-‘Arabī fī al-Qur’ān al-Karrīm‬‬ ‫‪(Alexanderia: Dār al-Ma‘rifah al-Jāmi‘iyyah, 1994), p.157.‬‬ ‫‪39‬‬ ‫‪479‬‬ ‫‪Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H‬‬ ‫‪Syamsul Anwar‬‬ ‫الطر يقة التوفيقية‪ 41.‬تمثل الطر يقة الأولى أكثر أقسام أصول الفقه أخذا من‬ ‫علوم اللغة العربية‪ .‬وإذا قيل‪ ،‬كما شاهدناه في كتابات كثير من علماء أصول‬ ‫الفقه‪ ،‬إن استمداد أصول الفقه اللغة العربية فذلك يتمثل في هذا القسم‪ .‬قال‬ ‫الجويني (ت ‪« :)1085/478‬ومن مواد أصول الفقه العربية فإنه يتعلق‬ ‫طرف صالح منه بالكلام على مقتضى الألفاظ ولن يكون المرء على ثقة من‬ ‫‪42‬‬ ‫هذا الطرف حتى يكون محققا مستقلا باللغة والعربية»‪.‬‬ ‫تتركز هذه الطر يقة على تحليل النصوص‪ ،‬فموضوعها وقائع لها نصوص‬ ‫تشملها لغو يا إلا أن في شمول هذه النصوص للوقائع المعنية بعض الغموض‬ ‫حتى تحتاج إلى مزيد من البيان‪ .‬لذلك قرر علماء أصول الفقه أن هذه‬ ‫الطر يقة تبحث في النصوص من أربع نواح هي‪ )1( :‬من ناحية درجة‬ ‫وضوحها وعدمه‪ ،‬و (‪ )2‬من ناحية كيفيات دلالتها‪ ،‬و (‪ )3‬من ناحية‬ ‫مدى شمولها للمعنى‪ ،‬و (‪ )4‬من ناحية صيغ التكليف الواردة فيها‪ .‬لقد قام‬ ‫الأصوليون ببيان هذه الطر يقة بتفصيل في كتب الأصول‪ 43.‬فههنا يأخذ‬ ‫الأصوليون كثيرا من القواعد اللغو ية ويدرجونها في طر يقة الاجتهاد البياني‬ ‫ويتأثرون بمباحث علماء اللغة‪.‬‬ ‫إلا أنه يجدر بنا أن نذكر أن عمل الأصوليين هنا ليس مجرد نقل لبحوث‬ ‫اللغو يين‪ ،‬بل في كثير من المواضع تفردوا بالبحوث اللغو ية مما أغفله اللغو يون‬ ‫والنحاة أنفسهم وذلك كالكلام على العموم والخصوص والأوامر والنواهي‬ ‫والاستثناء وغيرها‪ .‬وقد صور ابن السبكي (ت ‪ )1370/771‬دقة البحوث‬ ‫اللغو ية عند علماء الأصول قائلا‪« :‬إن الإصوليين دققوا في فهم أشياء من‬ ‫‪Syamsul Anwar, “Āliyyāt Iktishāf al-Aḥkām wa Taghayyurihā: Dirāsah‬‬ ‫‪Uṣūliyyah ma‘a Ishārah Khāṣṣah ilā Ishkāliyyat al-Tawqīt al-Islāmī”, al-Ahwal: Jurnal‬‬ ‫‪Hukum Keluarga Islam, vol. 8, no. 2 (2015), p. 128, http://ejournal.uin-suka.ac.id/syariah/‬‬ ‫‪Ahwal/article/view/931.‬‬ ‫‪42‬‬ ‫‪‘Abd al-Malik ibn ‘Abd Allāh ibn Yūsuf ibn Muḥammad al-Juwainī, al-Burhān‬‬ ‫‪fī Uṣūl al-Fiqh, ed. by Ṣalāḥ ibn Muḥammad ibn ‘Uwaiṣāh, vol. 1 (Beirut: Dār al-Kutub‬‬ ‫‪al-‘Ilmiyyah, 1997), p. 7.‬‬ ‫‪43‬‬ ‫‪Anwar, “Āliyyāt”, p. 128.‬‬ ‫‪41‬‬ ‫‪Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H‬‬ ‫‪480‬‬ ‫‪The Relation between Arabic Linguistics and Islamic Legal Reasoning‬‬ ‫كلام العرب لم يصل إليها النحاة ولا اللغو يون فإن كلام العرب متسع جدا‬ ‫والنظر فيه متشعب فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة دون المعاني‬ ‫الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصول واستقراء زائد على استقراء اللغوي‪ ،‬مثاله‬ ‫دلالة صيغة «افعل» على الوجوب «ولا تفعل» على التحريم وكون «كل‬ ‫وإخوتها للعموم» وما أشبه ذلك مما ذكر السائل أنه من اللغة‪ .‬لو فتشت كتب‬ ‫اللغة لم تجد فيها شفاء في ذلك ولا تعرضا لما ذكره الأصوليون وكذلك كتب‬ ‫النحو لو طلبت معنى الاستثناء وأن الإخراج هل هو قبل الحكم أو بعد الحكم‬ ‫ونحو ذلك من الدقائق التي تعرض لها الأصوليون وأخذوها باستقراء خاص‬ ‫‪44‬‬ ‫من كلام العرب وأدلة خاصة لا تقتضيها صناعة النحو»‪.‬‬ ‫‪ 3 .‬أمثلة لاعتماد الفقهاء والأصليين القواعد اللغو ية والنحو ية في استنباط‬ ‫الأحكام الشرعية‬ ‫(‪ )1‬اعتماد المعاني اللغو ية في استنباط حكم صلاة خسوف القمر شبه‬ ‫الظلي‪ .‬تسن في الفقه صلاةكسوف الشمس وصلاة خسوف القمر ووردت‬ ‫عدة أحاديث بخصوص هذه المسألة‪ .‬إلا أنه لم يرد في هذه الأحاديث وفي‬ ‫الفقه بيان أنواع ا�لكسوف والخسوف التي تقام الصلاة لأجلها‪ .‬وقد كشف‬ ‫تطور الدراسات الف�لكية أنواعا من ا�لكسوفات‪ ،‬منها كسوف شبه الظل‬ ‫سواء بالنسبة للشمس أو للقمر‪ .‬وهذا النوع من ا�لكسوف أو الخسوف لا‬ ‫يعرفه ولا يحس به الرجل العادي لأنه لا يدرك بالعين المجردة‪ .‬وجهت‬ ‫إدارة أحد المساجد التابعة لجمعية «محمدية»‪ 45‬فرع سيتوبوندو (‪،)Situbondo‬‬ ‫‪Tāj al-Dīn ‘Abd al-Wahhāb ibn al-Subkī, al-Ibhāj fī Sharḥ al-Minhāj: ʻalā Minhāj‬‬ ‫‪al-Wuṣūl ilā ʻIlm al-Uṣūl, vol. 1 (Maktabat al-Kullīyāt al-Azharīyah, 1981), p. 7.‬‬ ‫‪44‬‬ ‫‪« 45‬محمدية» كبرى جمعية اجتماعية دعو ية إسلامية في جنوب شرقي آسيا‪ ،‬أسسها الشيخ‬ ‫أحمد دحلان (ت ‪ )1923/1341‬في مطلع القرن الماضي (عام ‪ ،)1912/1330‬وتعمل‬ ‫على نشر الدعوة الإسلامية في كافة ربوع إندونيسيا عن طر يق تطوير برامج تنمية المجتمع في جميع‬ ‫مجالات الحياة كالتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية وتمكين المجتمع وحماية البيئة والمساعدات‬ ‫‪481‬‬ ‫‪Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H‬‬ ‫‪Syamsul Anwar‬‬ ‫إندونيسيا‪ ،‬السؤال بخصوص حالة خسوف القمر شبه الظلي الواقع ليلة‬ ‫‪46‬‬ ‫الخميس ‪ 23‬مارس عام ‪ 2016‬المنصرم إلى مجلس الترجيح والتجديد‬ ‫التابع للإدارة المركز ية لجمعية «محمدية»‪ .‬في الحقيقة لفظ «ا�لكسوف» أو‬ ‫«الخسوف» الوارد في الأحاديث واضح المعنى وهو احتجاب قرص الشمس‬ ‫وراء قرص القمركليا أو جزئيا أو دخول قرص القمر داخل مخروط سويداء‬ ‫ظل الأرض كليا أو جزئيا‪ .‬إلا أن الغموض أو الخفاء نشأ في هذا المعنى‬ ‫بسبب تطور الدراسات الف�لكية الحديثة الذي اكتشف وجود نوع آخر من‬ ‫ا�لكسوف أو الخسوف مما يجعل لفظ «ا�لكسوف» أو «الخسوف» لفظا خفيا‬ ‫في اصطلاح أصول الفقه‪ .‬لمعالجة هذه المشكلة حاول المجلس البحث فيها‬ ‫وتوصل إلى أنه لا صلاة أثناء حدوث كسوف شبه الظل للشمس أو القمر‪.‬‬ ‫استدل المجلس في فتواه بنتيجة التحليل اللغوي لدلالات كلمتي‬ ‫الخسوف وا�لكسوف في الحديث كما تذكرها المعاجم العربية‪ .‬استخلص المجلس‬ ‫بعد تصفح المعاجم أن معاني «الخسوف» تدور حول الغياب والذهاب‬ ‫والنقصان والخرق والقطع والقلع‪ .‬فقوله تعالى «فخسفنا به وبداره الأرض»‬ ‫[سورة القصص‪ ]80 :‬معناه فغيبناه هو وداره في الأرض‪ .‬خسف المكان‬ ‫أي ذهب في الأرض وغرق‪ .‬خسفت العين عميت بحيث الظلام لا يرى‬ ‫فيه شيء‪ .‬خسف فلان أي خرج من المرض‪ ،‬وفيه معنى الدخول في‬ ‫الصحة وغياب المرض عنه‪ .‬وخسف العينَ أي قلعها وخسفت العينُ انقلعت‬ ‫وههنا أيضا معنى الغياب واضح‪ .‬خسف الشيء َ خرقه‪ ،‬وقطعه‪ .‬وخسف‬ ‫الشيء ُ نقص‪ .‬وخسف البدن هزل أي نقص ثقله‪ 47.‬فالمنعى المفتاحي لكلمة‬ ‫القانونية وغيرها‪ ،‬والجدير بالذكر أنها الآن تدير مئة وأربعة وسبعين (‪ )174‬معهدا تعليميا أعلى‬ ‫من جامعات وأكاديميات ومدارس عليا وكليات جامعية كما تتبع لها المئات من المستشفيات‬ ‫والمستوصات ومراكز الصحة لرعاية الأمهات والأطفال‪.‬‬ ‫‪ 46‬مجلس الترجيح والتجديد قسم في جمعية «محمدية» مسؤول عن إصدار الفتاوى والقيام‬ ‫بالدراسات الدينية الإسلامية‪.‬‬ ‫‪Majma‘ al-Lughah al-‘Arabiyyah, al-Mu‘jam al-Wasīṭ (Cairo: Maktabat al‬‬‫‪Shurūq al-Dawliyyah, 2008), p. 242; Abū al-Ḥusain Aḥmad ibn Fāris, Mu‘jam Maqāyīs‬‬ ‫‪47‬‬ ‫‪Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H‬‬ ‫‪482‬‬ ‫‪The Relation between Arabic Linguistics and Islamic Legal Reasoning‬‬ ‫الخسوف وا�لكسوف هو الغياب سواء بسبب الدخول في الشيء أو بسبب‬ ‫القلع أو القطع أو بسبب الذهاب عن الشيء كذهاب المرض عن أحد‪.‬‬ ‫فعلاقة هذه المعاني بخسوف القمر هو أن الخسوف هو غياب قرص‬ ‫القمر في مخروط سويداء ظل الأرض فلا تراه العين من فوق سطح الأرض‬ ‫وهذا في حالة الخسوف الكلي‪ .‬أو غياب بعض بدن القمر في المخروط فلا‬ ‫يرى قرصه من سطح الأرض كاملا ومستديرا بل يبدو مقطوع الحافة لسبب‬ ‫دخول بعض بدن القمر في مخروط ظل الأرض‪ ،‬أي احتجب بعض قرص‬ ‫القمر بينما رئي البعض الأخر من فوق الأرض‪ ،‬فضعف ضوؤه بسبب‬ ‫ذلك‪ .‬أما في حالة خسوف الظل فلا يغيب قرص القمر لأن بدن القمر لا‬ ‫يدخل في مخروط الظل الأسود وإنما يدخل منطقة شبه ظل الأرض فلذلك‬ ‫يبقى قرصه مرئيا بشكل كامل ومستدير غير مقطوع الحافة فلا ينخسف‬ ‫خسوفا حقيقيا إلا أن ضوءه باهت وضعيف و�لكن العين المجردة لا تستطيع‬ ‫تمييزه عن عدم الخسوف‪ ،‬ويسمى هذا النوع من خسوفات القمر بالخسوف‬ ‫‪48‬‬ ‫الكاذب‪.‬‬ ‫على أساس التحليل اللغوي الدلالي لمعاني كلمتي الخسوف وا�لكسوف‬ ‫كما أوردتها المعاجم العربية توصل مجلس الترجيح والتجديد إلى نتيجة أن‬ ‫المراد بالخسوف وكذلك ا�لكسوف غياب قرص أحد النيرين في مخروط‬ ‫الظل الأسود كليا أوجزئيا‪ .‬فإذا حدثت مثل هذه الحالات فتسن الصلاة‬ ‫فيها‪ .‬أما إذا حدثت خسوف أو كسوف شبه الظل فلا صلاة خسوف أو‬ ‫‪al-Lughah, ed. by ‘Abd al-Salām Muḥammad Hārūn, vol. 2 (Beirut: Dār al-Fikr li al‬‬‫‪Ṭibā‘ah wa al-Nashr wa al-Tawzī‘, 1979), pp. 180-1; Abū al-Ḥasan ‘Alī ibn Sayyidih,‬‬ ‫‪al-Muḥkam wa’l-Muḥīt al-A‘ẓam, ed. by ‘Abd al-Ḥamīd Hindāwī, vol. 5 (Beirut: Dār al‬‬‫‪Kutub al-‘Ilmiyyah, 2001), p 84; Abū al-Faḍl Jamāl al-Dīn Muḥammad ibn Mukarram‬‬ ‫‪ibn Manẓūr, Lisān al-‘Arab, vol. 9 (Beirut: Dār Ṣādir, 19950, p. 66; Muḥammad Murtaḍā‬‬ ‫‪al-Ḥusainī al-Zabīdī, Tāj al-’Arūs min Jawāhir al-Qāmūs, ed. by ‘Abd al-Fattāḥ al-Ḥilw, vol.‬‬ ‫‪23 (Kuwait: Kuwait Goverment’s Printing, 1906), p. 199.‬‬ ‫‪48‬‬ ‫‪Syamsul Anwar, “Khulāṣat Fatwā Majlis al-Tarjīḥ wa al-Tajdīd bi Sha’n Khusūf‬‬ ‫‪.‬خلاصة‪-‬فتوى‪-‬مجلس‪-‬الترجيح‪-‬والتجديد‪-‬بشأن‪Shibh al-Ẓill,” https://tarjih.or.id/‬‬ ‫‪483‬‬ ‫‪Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H‬‬ ‫‪Syamsul Anwar‬‬ ‫كسوف فيها لعدم انطباق حالة هذا الخسوف أو ا�لكسوف على جوهر المعنى‬ ‫اللغوي للكلمتين في المعاجم‪.‬‬ ‫(‪ )2‬اعتماد قاعدة عودة الاستثناء في قبول أو رد شهادة القاذف‪.‬‬ ‫كثيرا ما اعتمد الفقهاء قواعد اللغة العربية في استنباط الأحكام الشرعية‪،‬‬ ‫بل وقد ألفوا كتبا خاصة في تخريج المسائل الفقهية على القواعد النحو ية‪.‬‬ ‫من أوائل من حاولوا ربط بعض المسائل الفقهية بقواعد النحو محمد بن‬ ‫الحسن (ت ‪ )805/189‬في كتابه الجامع ا�لكبير‪ .‬ثم جاء بعده الإسنوي‬ ‫(ت ‪ )1370/772‬الذي كتب ا�لكوكب الدري فيما يتخرج على الأصول‬ ‫النحو ية من الفروع الفقهية‪ .‬وكذلك ابن عبد الهادي (ت ‪)1503/909‬‬ ‫فقد ألف كتاب زينة العرائس من الطرف والنفائس في تخريج الفروع الفقهية‬ ‫على القواعد النحو ية‪.‬‬ ‫ومن أمثلة اعتماد الفقهاء في تخريج المسائل الفقهية على أصول النحو‬ ‫مسألة شهادة القذف‪ .‬اتفق العلماء على أنه لا تجوز شهادة القاذف إذا لم‬ ‫يتب‪ ،‬واختلفوا فيما إذا تاب‪ .‬فذهب الإمام أبو حنيفة وأصحابه إلى منع‬ ‫شهادة القاذف أبدا حتى ولو تاب‪ ،‬خلافا للجمهور غير الحنفية الذين قالوا بأن‬ ‫شهادة القاذف مقبولة إذا تاب‪ .‬وسبب اختلاف أرآئهم ورود الاستثناء بعد‬ ‫جمل متعاطفة في الآية التي تشكل أصل هذه المسألة وهي قوله تعالى «والذين‬ ‫يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا‬ ‫لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا‬ ‫فإن ال� ل�ه غفور رحيم» [سورة النور‪ .]5-4 :‬في هذه الآية وقع المستثنى بعد‬ ‫‪Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H‬‬ ‫‪484‬‬ ‫‪The Relation between Arabic Linguistics and Islamic Legal Reasoning‬‬ ‫ثلاث جمل متعاطفة وهي‪ )1( :‬فاجلدوهم ثمانين جلدة‪ )2( ،‬ولا تقبلوا‬ ‫لهم شهادة أبدا‪ ،‬و(‪ )3‬وأولئك هم الفاسقون‪ .‬اتفقوا على أن الآية لا تستثنى‬ ‫وجوب الجلد بالتوبة لأن القذف يمس حق الأدمي‪ .‬و�لكنهم اختلفوا فيما‬ ‫إذا كان الاستثناء يرجع إلى الجملتين الثانية والأخيرة معا أم إلى الجملة الأخيرة‬ ‫فقط‪ .‬فمن رأى أن الاستثناء يعود إلى أقرب مذكور وهو الجملة الأخيرة قال‬ ‫التوبة ترفع الفسق فقط وتمنع قبول شهادته‪ .‬ومن رأى أن الاستثناء يعود إلى‬ ‫‪49‬‬ ‫الجملتين الثانية والأخيرة قال برفع الفسق عنه مع قبول شهاته‪.‬‬ ‫قال العيني (ت ‪ ،)1451/855‬صاحب العناية شرح البداية‪،‬‬ ‫مبينا وجهة نظر فقهاء الحنفية ما مفاده أن الاستثناء راجع إلى قوله تعالى‬ ‫«وأؤلئك هم الفاسقون» وليس راجعا إلى جميع الجمل لأن من جملته قَو ْله‬ ‫تَع َالَى «فَاجْلِد ُوهُمْ»‪ ،‬ولا يرتفع الجلد بالتوبة فعلم أن الاستثناء ليس براجع‬ ‫إلى جميع ما تقدم بل إلى ما يليه وهو قَو ْله تَع َالَى «و ُأولئ ِك هم الفاسقون»‪.‬‬ ‫هذا معناه أن توبة القاذف إنما ترفع صفة الفسق من نفسه ولا ترفع‬ ‫وجوب جلده ووجوب رد شهادته‪ .‬وزاد بيانه أن الواو في قوله «وأؤلئك‬ ‫هم الفاسقون» للابتداء مما يمنع إرجاع الاستثناء إلى الجمل قبلها‪ .‬فتدل الآية‬ ‫على أمرين أولهما‪ :‬وجوب جلد القذفة ورد شهادتهم‪ ،‬وثانيهما وصفهم بصفة‬ ‫«الفاسقين» إلا التائبين منهم فليسوا بفاسقين‪ .‬فالذي تستثنيه الاية هو صفة‬ ‫الفسق من القذفة عند التوبة‪ ،‬ولا تستثني شيئا من وجوب الجلد ووجوب‬ ‫رد الشهادة‪ 50.‬أما الجمهور فيرون أن الاستثناء في الآية يعود إلى الجملتين‬ ‫الأخيرتين فلذلك من تاب منهم تقبل شهادتهم وترفع عنهم صفة الفسق‪ .‬قال‬ ‫ابن قدامة (ت ‪ ،)1223/620‬صاحب المغني‪« ،‬وأما الآية فهي حجة لنا‪،‬‬ ‫فإنه استثنى التائبين بقوله تعالى «إلا الذين تابوا»‪ .‬والاستثناء من النفي إثبات‪،‬‬ ‫‪Muḥammad ibn Aḥmad ibn Muḥammad ibn Aḥmad Ibn Rushd, Bidāyāt al‬‬‫‪Mujtahid wa Nihāyat al-Muqtaṣid, vol. 2 (Beirut: Dār al-Ma‘rifah li al-Ṭibā‘ah wa al-Nashr,‬‬ ‫‪1982), p. 443.‬‬ ‫‪50‬‬ ‫‪Badr al-Dīn al-‘Ainī, al-Bināyah Sharḥ al-Hidāyah, vol. 8 (Beirut: Dār al-Fikr,‬‬ ‫‪1990), p. 164.‬‬ ‫‪49‬‬ ‫‪485‬‬ ‫‪Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H‬‬ Syamsul Anwar .»‫فيكون تقديره إلا الذين تابوا فاقبلوا شهادتهم وليسوا بفاسقين‬ ‫مما يجدر بنا ملاحظته أن النحاة قل اهتمامهم بإشكالية وقوع الاستثناء‬ 52 ‫ إذا تصفحنا كتب متقدميهم أمثال كتاب سيبو يه‬.‫بعد جمل متعاطفة‬ 53 )791/175 ‫وكتاب الجمل في النحو للخليل بن أحمد الفراهيدي (ت‬ ‫ لم نجد بحث‬54)1144/538 ‫وكتاب المفصل في علم العربية للزمخشري (ت‬ ‫ استثني من هذا‬.‫هذه المسألة فيها رغم توسع مؤلفيها في الكلام على الاستثناء‬ ‫ قال أبوحيان‬55.‫ابن مالك فإنه تعرض للكلام فيه في كتابه شرح التسهيل‬ ‫) ما مفاده أن مكان تفصيل بيان هذه المسألة في أصول‬1344/745 ‫(ت‬ ‫) هذا الرأي وقال إن بحث هذه‬1505/911 ‫ أيد السيوطي (ت‬56.‫الفقه‬ ‫ أما علماء أصول الفقه فقد استفاضوا في بحثها كما‬57.‫المسألة بأصول الفقه أليق‬ ‫يمكننا الوقوف عليها في كتبهم ككتاب المعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين‬ ‫ وكتاب التقريب والإرشاد (الصغير) للقاضي‬58)1044/436 ‫المعتزلي (ت‬ ‫ هذا يدل على صحة ما قاله ابن السبكي فيما‬59.)1013/403 ‫الباقلاني (ت‬ 51 Ibn Qudāmah, al-Mugnī, ed. by ‘Abd Allāh al-Muḥsin al-Turkī and ‘Abd alFattāḥ al-Ḥilw, Riyadh: Dār ‘Ālam al-Kutub al-Ṭibā‘ah wa al-Nashr wa al-Tawzī‘, 1997. 52 Abū Basyar ‘Amr ibn Uthmān ibn Qunbur Sibawaih, al-Kitāb, ed. by ‘Abd al-Salām Hārūn, vol. 2 (Cairo: Maktabat al-Khanjī, 1988), pp. 309-15. 53 Al-Khalīl ibn Aḥmad al-Farāhīdī, Kitāb al-Jumal fī al-Naḥw, ed. by Fakhr al-Dīn Qabāwah (Beirut: Mu’assasat ar-Risālah, 1985), p. 47. 54 Al-Zamakhsharī, al-Mufaṣṣal, pp. 85-91. 55 Jamāl al-Dīn Muḥammad ibn ‘Abd Allāh ibn ‘Abd Allāh Ibn Mālik, Sharḥ al-Tashīl, ed. by ‘Abd al-Raḥmān al-Sayyid and Muḥammad Badawī al-Makhtūn, vol. 2 (Cairo: Hajar li al-Ṭibā‘ah wa al-Nashr wa al-Tawzī‘, wa al-I‘lān, 1990), pp. 294-5. 56 Muḥammad ibn Yūsuf Abū Ḥayyān, Irtishāf al-Ḍarb min Lisān al-‘Arab, ed. by Rajab Uthmān Muḥammad (Cairo: Maktabat al-Khanjī, 1998), pp. 1521-2. 57 Jalāl al-Dīn ‘Abd al-Raḥmān ibn Abī Bakr al-Sayūṭī, Ham‘ al-Hawāmī‘ fī Sharḥ Jam‘ al-Jawāmi‘, ed. by Aḥmad Shams al-Dīn, vol. 2 (Beirut: Dār al-Kutub al-‘Ilmiyyah, 1998), p. 196. 58 Abū al-Ḥusain al-Baṣrī, al-Mu‘tamad fī Uṣūl al-Fiqh, ed. by Khalīl al-Mays, vol. 1 (Beirut: Dār al-Kutub al-‘Ilmiyyah, 1983), pp. 245-8. 59 Al-Qāḍī Abū Bakr Muḥammad ibn al-Ṭayyib al-Bāqillānī, al-Taqrīb wa al-Irshād (al-Ṣaghīr), ed. by ‘Abd al-Ḥamīd Ibn ‘Alī Abū Zanīd (Beirut: Mu’assasat al-Risālah, 1998), p. 141. 51 486 Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H ‫‪The Relation between Arabic Linguistics and Islamic Legal Reasoning‬‬ ‫سبق من دقة بحث الأصوليين وتفردهم في عدة نقاط بالبحوث التي أغفلها‬ ‫النحاة واللغو يون‪.‬‬ ‫(‪ )3‬اعتماد المجاز في استنباط بعض الأحكام‪ .‬نصوص القرآن والسنة‬ ‫التي تشكل المصدر الأساسي للتشر يع الإسلامي نصوص عربية بمعنى أنها‬ ‫باللغة العربية‪ ،‬وهذه اللغة تعرف المجاز وتجعله أسلوبا من أساليبها البليغة‪ .‬لذلك‬ ‫ذهب جمهور العلماء إلى أن المجاز واقع في القرآن والسنة‪ ،‬واستخدمه بعض‬ ‫العلماء في استنباط الأحكام الشرعية‪ .‬والمراد بالمجاز هو اللفظ المستعمل في‬ ‫غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة دالة على عدم إرادة المعنى الأصلي‪ 60.‬يقسم‬ ‫المجاز إلى مجاز لغوي ومجاز عقلي‪ ،‬كما يقسم المجاز اللغوي إلى استعارة ومجاز‬ ‫مرسل‪.‬‬ ‫استخدم بعض الفقهاء ظاهرة المجاز في نصوص القرآن والسنة في‬ ‫استنباط الأحكام الشرعية‪ .‬من ذلك معالجتهم لمسألة الملامسة بين الرجل‬ ‫والمرأة الوارد ذكرها في القرآن هل ينتقض بها الوضوء أم لا‪ .‬اختلف‬ ‫فيها الفقهاء لاشتراك «الملامسة» الوارد ذكرها في قوله تعالى «أو لامستم‬ ‫النساء» [النساء‪ ]43 :‬بين المعنى الأصلي وهو اللمس باليد أو التقاء البشرتين‬ ‫والمعنى المجازي وهو الجماع‪ .‬ذهب الفقهاء الذين اعتمدوا المجاز إلى أن المراد‬ ‫بالملامسة في الآية المذكورة هو المعنى المجازي وهو الجماع‪ ،‬لا اللمس باليد أو‬ ‫المباشرة‪ .‬والقرينة الدالة على إرادة المعنى المجازي هي ورود ذكر النساء معها‪،‬‬ ‫فإن العرب تقول‪ :‬لمس الجار ية لمسا جامعها‪ ،‬كلامسها‪ 61.‬وأيد هؤلاء الفقهاء‬ ‫رأيهم بحديث رواه الشيخان عن عائشة زوج النبى صلى ال� ل�ه عليه وسلم أنها‬ ‫قالت كنت أنام بين يدى رسول ال� ل�ه صلى ال� ل�ه عليه وسلم ورجلاى فى قبلته‬ ‫فإذا سجد غمزنى فقبضت رجلى فإذا قام بسطتهما قالت والبيوت يومئذ ليس‬ ‫‪Al-Sayyid Aḥmad al-Hāshimī, Jawāhir al-Balāghah fī al-Ma‘ānī wa al-Bayān wa‬‬ ‫‪al-Badī‘ (Beirut: al-Maktabah al-‘Aṣriyyah), p. 251.‬‬ ‫‪61‬‬ ‫‪Al-Zabīdī, Tāj al-’Arūs, 16: 284.‬‬ ‫‪60‬‬ ‫‪487‬‬ ‫‪Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H‬‬ ‫‪Syamsul Anwar‬‬ ‫فيها مصابيح [رواه البخاري ومسلم]‪ 62.‬في هذا الحديث أن رسول ال� ل�ه صلى‬ ‫ال� ل�ه وسلم لمس رجلي عائشة وهو يصلي فلم يعد وضوءه‪ .‬بناء على هذا استنبطوا‬ ‫حكم عدم انتقاض الوضوء بالملامسة أو التقاء البشرتين‪ ،‬وإنما ينتقض بالجماع‪.‬‬ ‫وذهب البعض الأخر إلى أن المراد بالملامسة في الآية المذكورة معناها‬ ‫الحقيقي مما يؤدي إلى بطلان الوضوء بسبب اللمس باليد بين الرجل والمرأة‪،‬‬ ‫وقدموا أدلة وحججا لتأييد رأيهم‪ .‬وقد طال جدال الفقهاء حول هذه المسألة‬ ‫وليس غرضي بيانه وإنما غايتي بيان علاقة جانب من علم اللغة العربية بعملية‬ ‫استنباط الأحكام الشرعية‪.‬‬ ‫‪ .‬دالملاحظات الأخيرة‬ ‫مما تقدم نخلص إلى نقاط تمثل اختصارا لما تم بحثه أعلاه‪:‬‬ ‫• •اتفق الأصوليون على اعتبار أن علوم اللغة العربية ذات أهمية بالغة في عملية‬ ‫اكتشاف الأحكام الشرعية وعلى جعل معرفتها شرطا في المجتهد لتكون‬ ‫حصيلة اجتهاده حجة‪ .‬إلا أنهم اختلفوا فيما إذا كان لا بد للمجتهد أن‬ ‫يصل في معرفة اللغة العربية إلى درجة الاجتهاد في اللغة مثل أئمة اللغة‬ ‫أنفسهم‪.‬‬ ‫• •إن للفقهاء والأصوليين تأثيرا واضحا وعميقا في بناء الإطار النظري خصوصا‬ ‫لعلم النحو وفي تشكيل هيكل هذا العلم‪.‬‬ ‫• •اعتمد الأصوليون القواعد اللغو ية والمبادئ النحو ية في بناء مناهج استنباط‬ ‫الأحكام الشرعية وأخذوها من اللغو يين والنحاة‪ ،‬إلا أنهم لم ينقلوها إلى علم‬ ‫أصول الفقه على سبيل التقليد المحض و�لكنهم قاموا بتقديم إسهامات عميقة‬ ‫وتفردوا بالبحوث اللغو ية في عدد من المواطن مما أغفله النحاة واللغو يون‪.‬‬ ‫‪Abū ‘Abd Allāh Muḥammad ibn Ismā‘īl al-Bukhārī, Ṣaḥīḥ al-Bukhārī, ed. by‬‬ ‫‪Muṣṭafā Dīb al-Bughā, vol. 1 (Yamamah-Beirut: Dār Ibn Kathīr, 1987), p. 367.‬‬ ‫‪62‬‬ ‫‪Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H‬‬ ‫‪488‬‬ The Relation between Arabic Linguistics and Islamic Legal Reasoning ‫المراجع‬ Abū Ḥayyān, Muḥammad ibn Yūsuf, Irtishāf al-Ḍarb min Lisān al-‘Arab, ed. by Rajab Uthmān Muḥammad, Cairo: Maktabat al-Khanjī, 1998. Abū Zahrah, al-Shaykh Muḥammad, Uṣūl al-Fiqh, Cairo: Dār al-Fikr al-‘Arabī. Al-‘Ainī, Badr al-Dīn, al-Bināyah Sharḥ al-Hidāyah, Beirut: Dār al-Fikr, 1990. Anwar, Syamsul, “Āliyyāt Iktishāf al-Aḥkām wa Taghayyurihā: Dirāsah Uṣūliyyah ma‘a Ishārah Khāṣṣah ilā Ishkāliyyat al-Tawqīt al-Islāmī,” al-Ahwal: Jurnal Hukum Keluarga Islam, vol. 8, no. 2 (2015), pp. 125-139, http://ejournal.uin-suka.ac.id/syariah/Ahwal/article/ view/931 [doi: https://doi.org/10.14421/ahwal.2015.08202 ]. Anwar, Syamsul, “Khulāṣat Fatwā Majlis al-Tarjīḥ wa al-Tajdīd bi Sha’n Khusūf Shibh al-Ẓill,” tarjih.or.id, https://tarjih.or.id/ -‫فتوى‬-‫خلاصة‬ ‫بشأن‬-‫والتجديد‬-‫الترجيح‬-‫مجلس‬. Al-Bāqillānī, al-Qāḍī Abū Bakr Muḥammad ibn al-Ṭayyib, al-Taqrīb wa al-Irshād (al-Ṣaghīr), ed. by ‘Abd al-Ḥamīd Ibn ‘Alī Abū Zanīd, Beirut: Mu’assasat al-Risālah, 1998. Al-Baṣrī, Abū al-Ḥusain, al-Mu‘tamad fī Uṣūl al-Fiqh, ed. by Khalīl al-Mays, Beirut: Dār al-Kutub al-‘Ilmiyyah, 1983. Al-Bukhārī, Abū ‘Abd Allāh Muḥammad ibn Ismā‘īl, Ṣaḥīḥ al-Bukhārī, ed. by Muṣṭafā Dīb al-Bughā, Yamamah-Beirut: Dār Ibn Kathīr, 1987. Al-Farāhīdī, al-Khalīl ibn Aḥmad, Kitāb al-Jumal fī al-Naḥw, ed. by Fakhr al-Dīn Qabāwah, Beirut: Mu’assasat ar-Risālah, 1985. Al-Fayrūzābādī, Majd al-Dīn Muḥammad ibn Ya‘qūb, Kitāb al-Jumal fi al-Naḥw, ed. by Maktab Taḥqīq al-Turāth under the supervision of Muḥammad Nu’aim al-‘Arqusūsī, Beirut: Mu’assasat ar-Risālah, 2005. Al-Ghazālī, Abū Ḥāmid Muḥammad ibn Muḥammad ibn Muḥammad, al-Muṣtaṣfā min ‘Ilm al-Uṣūl, ed. by Muḥammad ibn Sulaymān alAshqar, Beirut: Mu’assasat ar-Risālah, 1997. Al-Hāshimī, al-Sayyid Aḥmad, Jawāhir al-Balāghah fī al-Ma‘ānī wa al-Bayān wa al-Badī‘, Beirut: al-Maktabah al-‘Aṣriyyah. Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H 489 Syamsul Anwar Al-Jaṣṣāṣ, Aḥmad ibn ‘Alī al-Rāzī, al-Fuṣūl fī al-Ūṣūl, ed. by ‘Ujail Jāsim al-Nashmī, Kuwait: Ministry of Awqāf and Islamic Affairs, 1994. Al-Juwainī, ‘Abd al-Malik ibn ‘Abd Allāh ibn Yūsuf ibn Muḥammad, al-Burhān fī Uṣūl al-Fiqh, ed. by Ṣalāḥ ibn Muḥammad ibn ‘Uwaiṣāh, Beirut: Dār al-Kutub al-‘Ilmiyyah, 1997. Al-Māzirī, Abū ‘Abd Allāh Muḥammad ibn ‘Alī ibn ‘Umar ibn Muḥammad al-Tamīmī, Īḍāḥ al-Maḥṣūl min Burhān al-Uṣūl, ed. by ‘Ammār al-Ṭālibī, Beirut: Dār al-Gharb al-Islāmī. Al-Ṭa’ī, Ḥātim, “Nash’at al-Lughah wa Ahammiyyatuhā”, Dirāsāt Tarbawiyyah, vol. 6 (2009), pp. 195-220. Ibn al-Anbārī, Abū al-Barakāt ‘Abd al-Raḥmān Kamāl al-Dīn, al-Inṣāf fī Maṣa’il al-Khilāf baina al-Baṣariyyīn wa al-Kūfiyyīn, ed. by Jawdat Mabrūk Muḥammad Mabrūk, Cairo: Maktabat al-Khanjī. Ibn al-Anbārī, Abū al-Barakāt ‘Abd al-Raḥmān Kamāl al-Dīn, Luma‘ al-Adillah fī Uṣūl al-Naḥw, printed in al-Ighrāb fī Jadal al-I‘rāb, by the same author, ed. by Sa‘īd al-Afghānī, n.p.: Maṭba‘at al-Jāmi‘ah al-Sūriyyah, 1957. Ibn al-Subkī, Tāj al-Dīn ‘Abd al-Wahhāb, Jam‘ al-Jawāmi‘ fī Uṣūl al-Fiqh, ed. by ‘abd al-Mun‘im Khalīl Ibrāhīm, Beirut: dār al-Kutub al‘Ilmiyyah, 2003. Ibn al-Subkī, Tāj al-Dīn ‘Abd al-Wahhāb, al-Ibhāj fī Sharḥ al-Minhāj : ʻalā Minhāj al-Wuṣūl ilā ʻIlm al-Uṣūl, Maktabat al-Kullīyāt al-Azharīyah, 1981. Ibn Fāris, Abū al-Ḥusain Aḥmad, Mu‘jam Maqāyīs al-Lughah, ed. by ‘Abd al-Salām Muḥammad Hārūn, Beirut: Dār al-Fikr li al-Ṭibā‘ah wa al-Nashr wa al-Tawzī‘, 1979. Ibn Ḥazm, Abū Muḥammad ‘Alī ibn Aḥmad ibn Sa‘īd, al-Iḥkām fī Uṣūl al-Aḥkām, ed. by Aḥmad Shākir, Beirut: Dār al-Āfāq al-Jadīdah. Ibn Jinnī, Abū al-Fatḥ Uthmān, al-Khaṣā’iṣ, ed. by Aḥmad ‘Alī al-Najjār, Cairo: al-Hay’ah al-Miṣriyyah al-‘Āmmah li al-Kitāb. Ibn Khaldūn, ‘Abd al-Raḥmān, Muqaddimat Ibn Khaldūn, ed. by Khalīl Shaḥādah, Beirut: Dār al-Fikr, 2001. Ibn Mālik, Jamāl al-Dīn Muḥammad ibn ‘Abd Allāh ibn ‘Abd Allāh, Sharḥ al-Tashīl, ed. by ‘Abd al-Raḥmān al-Sayyid and Muḥammad Badawī 490 Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H The Relation between Arabic Linguistics and Islamic Legal Reasoning al-Makhtūn, Cairo: Hajar li al-Ṭibā‘ah wa al-Nashr wa al-Tawzī‘, wa al-I‘lān, 1990. Ibn Manẓūr, Abū al-Faḍl Jamāl al-Dīn Muḥammad ibn Mukarram, Lisān al-‘Arab, Beirut: Dār Ṣādir, 1995. Ibn Qudāmah, Muwaffaq al-Dīn Abū Muḥammad ‘abd Allāh ibn Aḥmad ibn Muḥammad, al-Mugnī, ed. by ‘Abd Allāh al-Muḥsin al-Turkī and ‘Abd al-Fattāḥ al-Ḥilw, Riyadh: Dār ‘Ālam al-Kutub al-Ṭibā‘ah wa al-Nashr wa al-Tawzī‘, 1997. Ibn Rushd, Muḥammad ibn Aḥmad ibn Muḥammad ibn Aḥmad, Bidāyāt al-Mujtahid wa Nihāyat al-Muqtaṣid, Beirut: Dār al-Ma‘rifah li alṬibā‘ah wa al-Nashr, 1982. Ibn Sayyidih, Abū al-Ḥasan ‘Alī ibn Ismā‘īl, al-Muḥkam wa al-Muḥīt al-A‘ẓam, ed. by ‘Abd al-Ḥamīd Hindāwī, Beirut: Dār al-Kutub al‘Ilmiyyah, 2001. Ibn Taymiyyah, Aḥmad ibn ‘Abd al-Ḥalīm ibn ‘Abd al-Salām, Iqtiḍā’ al-Ṣirāṭ al-Mustaqīm, ed. by Nāṣir ibn ‘Abd al-Karīm, Riyadh: Dār Ashbilia li al-Nashr wa al-Tawzī‘, 1994. Ibn Ya‘īsh, Abū al-Baqā’ Ya‘īsh ibn ‘Alī, Sharḥ al-Mufaṣṣal, ed. by Emile Badī‘ Ya‘qūb, Beirut: Dār al-Kutub al-‘Ilmiyyah, 2001. Majma‘ al-Lughah al-‘Arabiyyah, al-Mu‘jam al-Wasīṭ, Cairo: Maktabat alShurūq al-Dawliyyah, 1429/2008. Muslim, Ṣaḥīḥ Muslim, ed. by Muḥammad Fu’ād ‘Abd al-Bāqī, Bairut: Dār Iḥyā’ at-Turāth al-‘Arabī, 1374/1955. Pei, Mario Andrew, Usus ‘Ilm al-Lugah, trans. Aḥmad Mukhtār ‘Umar (Cairo: ‘Ālam al-Kutub, 1998). Al-Sayūṭī, Jalāl al-Dīn ‘Abd al-Raḥmān ibn Abī Bakr, Ham‘ al-Hawāmī‘ fī Sharḥ Jam‘ al-Jawāmi‘, ed. by Aḥmad Shams al-Dīn, Beirut: Dār alKutub al-‘Ilmiyyah, 1998. Al-Sayūṭī, Jalāl al-Dīn, al-Iqtirāḥ fī Uṣūl al-Naḥw, ed. by ‘Abd al-Ḥakīm ‘Aṭiyyah, Damascus: Dār al-Bairūtī, 2006. Al-Shāfi‘ī, Muḥammad ibn Idrīs, al-Risālah, ed. by Aḥmad Muḥammad Shākir, Beirut: Dār al-Kutub al-‘Ilmiyyah. Al-Shāṭibī, Abū Isḥāq ibn Mūsā ibn Muḥammad al-Lakhmī, al-Muwāfaqāt, ed. by Abī ‘Ubaidah Mashhūr ibn Ḥasan Āl Salmān, ‘Aqrabia, KSA: Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H 491 Syamsul Anwar Dār Ibn ‘Affān li al-Nashr wa al-Tawzī‘, 1997. Al-Shirāzī, Abū Isḥāq Ibrāhīn ibn ‘Alī al-Fayrūzābādī, al-Luma‘ fī Uṣūl alFiqh, ed. by ‘Abd al-Qādir and al-Khaṭīb al-Ḥasanī, Tanger-Beirut: Dār al-Ḥadīth al-Kattāniyyah, 2013. Sibawaih, Abū Basyar ‘Amr ibn Uthmān ibn Qunbur, al-Kitāb, ed. by ‘Abd al-Salām Hārūn, Cairo: Maktabat al-Khanjī, 1988. Al-Subkī, ‘Alī ibn ‘Abd al-Kāfī, al-Ibhāj fī Sharḥ al-Minhāj, ed. by Sha‘bān Muḥammad Ismā‘il, Cairo: Maktabat al-Kuliyyāt al-Azhariyyah, 1981. Sweet, Henry, A New English Grammar Logical and Historical, Oxford: Oxford University Press, 1900. Yāqūt, Aḥmad Sulaymān, Ẓāhirat al-I‘rāb fī an-Naḥw al-‘Arabī fī al-Qur’ān al-Karrīm, Alexanderia: Dār al-Ma‘rifah al-Jāmi‘iyyah, 1994. Yūnus, Fatḥ ‘Alī, “Al-Tawāṣul al-Lughawī wa al-Ta‘līm,” http://academy. moe. gov. eg/pdf/ arabic/Arabicskills.pdf. Al-Zabīdī, Muḥammad Murtaḍā al-Ḥusainī, Tāj al-’Arūs min Jawāhir alQāmūs, ed. by ‘Abd al-Fattāḥ al-Ḥilw, Kuwait: Kuwait Goverment’s Printing, 1906. Al-Zamakhsharī, Abū al-Qāsim Maḥmūd ibn ‘Umar, al-Mufaṣṣal fī ‘Ilm al-‘Arabiyyah, ed. by Fakhr Ṣāliḥ Qadārah, Amman: Dār ‘Ammār li al-Nashr wa al-Tawzī‘, 2004. Al-Zarkashī, Badr al-Dīn ibn Bahādur ibn ‘Abd Allāh, al-Baḥr al-Muḥīṭ fī Uṣūl al-Fiqh, ed. by ‘Abd al-Qādir ‘Abd Allāh al-‘Ānī, Kuwait: Ministry of Awqāf and Islamic Affairs, 1992. Al-Zarkashī, al-Burhān fī ‘Ulūm al-Qur’ān, ed. by Abū al-Faḍl al-Dumyāṭī, Cairo: Dār al-Ḥadīth, 2006. 492 Al-Jāmi‘ah, Vol. 55, No. 2, 2017 M/1439 H